أبي الفرج الأصفهاني

54

الأغاني

وهب لها الأمين من الجوهر ما لم يملك مثله أحد وقد روى محمد بن الحسن الكاتب هذا الخبر ، عن ابن المكَّيّ ، عن أبيه ، وقال فيه : إن محمدا وهب لها من الجوهر شيئا لم يملك أحد مثله ، فسلَّم لها ، فكانت تخرج منه الشيء بعد الشيء فتبيعه بالمال العظيم ، فكان ذلك معتمدها مع ما يصل إليها من الخلفاء إلى أن ماتت وعندها منه بقيّة عظيمة . إباؤها الزواج حتى موتها قال : ورغب إليها وجوه القوّاد والكتّاب والهاشميّين في التزويج ، فأبت وأقامت على حالها حتى ماتت . علي بن هشام في موكبه إليها قال أبو حشيشة في خبره : وكنت عند بذل يوما وأنا غلام ، وذلك في أيام المأمون ببغداد ، وهي في طارمة [ 1 ] لها تمتشط ، ثم خرجت إلى الباب ، فرأيت الموكب ، فظننت أنّ الخليفة يمرّ في ذلك الموضع ، فرجعت إليها فقلت : يا ستّي [ 2 ] ؛ الخليفة يمرّ على بابك ؟ فقالت : انظروا أيّ شيء هذا ؟ إذ دخل بوّابها فقال : علي بن هشام بالباب . فقالت : وما أصنع به ! فقامت إليها وشيكة [ 3 ] جاريتها - وكانت ترسلها إلى الخليفة وغيره في حوائجها - / فأكبّت على رجلها ، وقالت : اللَّه ، اللَّه ! أتحجبين عليّ بن هشام ! فدعت بمنديل فطرحته على رأسها ولم تقم إليه ، فقال : إني جئتك بأمر سيدي أمير المؤمنين ، وذلك أنه سألني عنك ، فقلت : لم أرها منذ أيام . فقال : هي عليك غضبى ، فبحياتي لا تدخل منزلك حتى تذهب إليها فسترضيها . تكتب اثني عشر ألف صوت فقالت : إن كنت جئت بأمر الخليفة فأنا أقوم . فقامت فقبّلت رأسه ويديه [ 4 ] وقعد ساعة وانصرف ، فساعة خرج قالت : يا وشيكة ، هاتي دواة وقرطاسا ، فجعلت تكتب فيه [ 5 ] يومها وليلتها حتى كتبت اثني عشر ألف صوت - وفي بعض النسخ : « رؤوس سبعة آلاف صوت » - ثم كتبت إليه : يا عليّ بن هشام ، تقول : قد استغنيت عن بذل بأربعة آلاف صوت أخذناها منها ، وقد كتبت هذا وأنا ضجرة ، فكيف لو فرّغت لك قلبي كلَّه ! وختمت الكتاب ، وقالت لها : امضي به إليه . فما كان أسرع من أن جاء رسوله - خادم أسود يقال له مخارق - بالجواب يقول فيه : يا ستّي ، لا واللَّه ما قلت الذي بلغك ، ولقد كذب عليّ عندك ؛ إنما قلت : لا ينبغي أن يكون في الدنيا غناء أكثر من أربعة آلاف صوت ، وقد بعثت إليّ بديوان لا أؤدّي شكرك عليه أبدا . / وبعث إليها عشرة آلاف درهم ، وتخوتا [ 6 ] فيها خزّ ووشي وملح ، وتختا مطبقا فيه ألوان الطَّيب . علي بن هشام يعاتبها في جفوة نالته منها أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش لعليّ بن هشام يعاتب بذلا في جفوة نالته منها :

--> [ 1 ] الطارمة : بيت من الخشب ، كالقبة . [ 2 ] ستّي : كلمة مولَّدة ، وفي نهاية الأرب : يا « سيدتي » . [ 3 ] في مختار الأغاني : « وشيك » ، بغير تاء . [ 4 ] في ب ، س : « فقبلت رأسه ورجليه » . [ 5 ] في أ : « به » . [ 6 ] التخوت : جمع تخت ؛ وهو وعاء تصان فيه الثياب .